يوميات البحث الميداني في واحة تغبالت–درعة الوسطى زاكورة: (1)

أيت بن علي

الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، التقينا بثلة من شباب تلاكلو قرب المسجد الجديد، مسجد النور، تبادلنا معهم أطراف الحديث لفترة ثم اتجهنا صوب “بوخوشا” – منطقة سكنية قديمة- لها ثلاثة أبواب، كما أخبرنا أحدهم، باب أيت جعفر، باب أيت سعيد… بعد زيارتنا لها، وقفنا قرب المقبرة ننظر شرقا، فتراءت لنا بعض المنازل على هضبة مرتفعة قليلا، نزلنا عبر السفح واتجهنا صوب تلك المنازل، إنها لقبيلة تغوليت ويصل عدد سكانها إلى 547 نسمة، حسب إحصاء أربعة عشر وألفين.


لقد سِرنا على أقدامنا حتى كادت مفاصلنا تنخلع، مررنا بمنطقة “زاكور” ثم “أم الغزلان”، وأخيرا وصلنا دوار هودا وأذّنَ العصرُ.
بجانب حقل شاسعٍ كنّا ننظرُ إلى طفلٍ صغيرٍ وهو يحمل دلوا به ماء ويمشي في تثاقل، الطفل أنهَكه الدلو فبدأ يتنهّد، لم أنسَ لحظة سقوطه وتأفّفه، كان غاضبا أشدّ الغضب، إذ ينبغي عليه أن يعود مجددا ليملأ الدلو ماءً… لكنّ الطفل ومن سوء حظه جاء أبوه ثم أبرَحه ضرباً ! ما كان عليه أن يسقط ويدلقَ ماء الدلو ! والحق أن الشعور بالنّدم خالجَ صدري؛ لأنّي لم أساعد الطّفل، أما زميلي فظل كعادته يضحك وهو يرنو إلى الطفل…

مضت ثلاثون دقيقة على واقعة الطفل ودعانا أحد الفلاحين لشرب الشاي، فلبينا دعوته، أكلنا خبزا شهيا وتمرا، وتحدثنا كثيرا عن الفلاحة مشاكلها وأهميتها، لقد دار بيننا حوار طويل…
النشاط الفلاحي هنا في أم الغزلان، يختلف تماما عن باقي مناطق القرية، آبار لا تتعدى عشرة أمتار، والماء يسهل الحصول عليه، هنا شجر النخل، والتين، والعنب، والرمان، وخضر مختلفة أنواعها، رأينا الغلال بمنظرها الجميل، والأشجار الوارفة، طبعا، هذا في بعض الحقول فقط.


اتجهنا شرقا، عبر الوادي، فاتضح لنا بأن دوار هودا يضم منازل متباعدة وعائلات قليلة… ما لا يختلف فيه اثنان هو أن المنطقة هذه، يسودها هدوء تام وعيش بسيط، أخذت هاتفي لأجري مكالمة هاتفية، لكني تفاجأت بعدم وجود الشبكة، أويت إلى مكان مرتفع وظللت أبحث عن الشبكة كمن يبحث عن عشرة دراهم ضاعت منه، كانت الشبكة ضعيفة جدا… توقف الهاتف تماما عن الإرسال والاستقبال.. لم أتمكن من إجراء المكالمة، دنوت من زميلي، فوجدته ينظر إلى ضيعة فلاحية قضت عليها التعرية بنوعيها، المائية والريحية.


هودا عدد سكانها 582 نسمة، حسب إحصاء 2014.

دَنا غروب الشمس وحان وقت العودة، فتوجهت جهةَ الطريق مسرعاً، لم تكن الطريق معبدة، بل كانت ضيقة وتكسوها الأحجار، بينما أنا أنتظر، إذا بي أرى سيارةً، فأشرت إلى السائق إشارةً، وقتها أوقف السائق سيارته، ثم سألني: إلى أين؟ أجبته مبتسما: إلى مركز الجماعة… ركبت سيارته الصغيرة ركوبا، وانتظرت رفيقي ليركب هو الآخر… ونحن نسير، اشتدت الرياح وانتشر الغبار، فتغير لون الشّعرِ والوجهِ، عاصفة رملية تجتاح القرية كلها، وكم ضحكنا ونحن نتبادل النظرات حتى وصلنا مجددا دوار تلاكلو، ثم واصلنا الطريقَ راجلين. أَذكُرُ أنّنا لما اقتربنا من مقهى “السعادة” بأيت مناد، رأينا عجوزا وهو يمطر طفلا بوابل من الشتائم، نتيجة لهوه وسطَ الطريق.
للحديث بقية… يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock