يوميات البحث الميداني في واحة تغبالت: (4)

منازل قليلة، حياة هادئة، وكثبان رملية، كثافة سكانية ضعيفة، وأناس بالكرم يتمتعون وبالأدب يتسلحون… هي ذي إفرط قبيلة من قبائل جماعة تغبالت إقليم زاكورة، عدد سكانها 665 نسمة. ذهبنا إليها صباحا راجلين، وأمام المدرسة التقينا بالسيد إبراهيم، إنسان طيب، حسن الطبع والأدب، هنالك عنده حصلنا على معلومات مهمة أغنت بحثنا، وباقتراب موعد صلاة الظهر دعانا لتناول وجبة الغداء… وبعدها سرنا شمالا نستطلع المنطقة، فاكتشفنا بأن الرمال والأراضي البورية تسود المنطقة كلها، لا تكاد ترى بئرا، ولا زرعا، ولا ضرعا، الرمال لا تبعد عن المنازل كثيرا… غير بعيد عن المدرسة توجد قصبة في طور الإنجاز، ذات نموذج معماري قديم، يسعى من خلاها صاحب المشروع إلى رد الاعتبار للمنطقة سياحيا، ولا أنسى حين وقفت أتملّى منظرها الجميل وتصميمها الرائع، وكم ظلّ صديقي لحسن ينظر إليها مليا، ويصفها وصفا جميلا.

الساعة تشير إلى الثالثة… ونحن نتأهب لمغادرة دوار إفرط التقينا برجُل في الخمسين من عمره، وتكسو التجاعيد وجهه، قص علينا قصتين، وكان يتمتع بالدعابة وينوي حرث أرضه. أحداث القصة الأولى تدور حول رجل ضُبط وهو يسرق في الحقل ليلا، أما القصة الثانية فتعود لشاب ظل في الحقول يأكل البطيخ الأحمر حتى نقل إلى المستشفى، لقد أصابه مغص في بطنه ولم يستطع الحركة، قيل بأنه لا يزال حيا يرزق…
إننا الآن في طريق العودة إلى مركز الجماعة… التقينا بصديقنا إسماعيل وأحد زملائه، لا يحضرني الآن اسمه، التقينا بهما في “إكادون”، وهي منطقة سياحية، تغطّيها كثبانٌ رمليةٌ، ويحجّ إليها الصّغير والكبير.. لا أزال أذكر، أننا كنا نذهب إليها فرحين، وكان السيّاحُ قبل سنوات خلت يزورونها، خاصّة في نهاية وبداية عام جديد، احتفالات، سهرات، حلويات… وقتها يضجّ المكان بقنّينات الخمر أو النّبيذ ! أحداث كثيرة حدثت في هذه المنطقة، ولكن لست مستعدّا لذكرها؛ لكي لا أطيل الحديث..

إنها الرابعة وعشر دقائق… بوادر رياح شديدة بدأت تظهر، وقد تجتاح المنطقة اجتياحا مهيبا، لكنها لم تمنعنا من الحديث مع سي امحمد، ﻭﻫﻮ ﻓﻼﺡ ﻣﻦ إحدى قبائل الواحة:
– أعانك الله، تبدو متعبا.
– نعم يا بني..
– خذ لك قسطا من الراحة.
– رد سي امحمد مبتسما: كيف أستريح والعمل لا يزال ينتظرني؟
– حسنا! نحن هنا نريد منك أن تجيب عن مجموعة من الأسئلة…
– على الرحب والسعة..
– سأله زميلي: هل تجني شيئا مما تزرعه أم أنك فقط… ؟
– قال سي امحمد مقاطعا: فيما مضى كنا نزرع ونحصد، أما الآن فكأننا نضيع الوقت هنا، وإن شئت قلت بأننا نخسر النقود فقط.
– في نظرك ما السبب في هذا كله؟
– أجاب قائلا: الآبار يتراجع منسوب مياهها، والرياح تزداد شدتها وتؤثر على المحصول..
لزهاء ثلاثين دقيقة ونحن نتحدث معه، والحق أن الرجل يعرف الشيء الكثير عن الفلاحة… يعمل في الحقول لِما يربو عن ثلاثين سنة، أنهينا الاستجواب معه، فأطعمنا من طعامه، ثم سألنا الله أن يكون في عونه، آنذاك تأهبنا لنغادر المكان.. وقبل ذلك، جلست لأدخل الاستمارات إلى محفظتي الصغيرة، لكن الرياح برمالها اشتدت فطارت الأوراق! وقتها انطلقنا ﻧﻄﺎﺭﺩﻫﺎ، كنا نضحك ونحن نجري ﺣﺘﻰ ﻭﺟﺪﻧﺎ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ قرب سوق القرية.. استعدنا بعضها فقط.. وها نحن بين أسوار السوق ننتظر متى تهدأ الرياح كي نتابع السير… أعتقد بأن الرياح برمالها تحب هذه القرية وتعشقها…
للحديث غالبا بقية…
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock